أحمد بن محمد مسكويه الرازي

35

تجارب الأمم

خراسان ، وصرف أخاه أسدا عنها . وكان السّبب في ذلك أنّ أسدا أخا خالد تعصّب ، حتّى أفسد النّاس ، وخطب في يوم جمعة فقال في خطبته : - « قبّح الله هذه الوجوه ، وجوه أهل الشّقاق والنّفاق والشّغب والفساد . اللهمّ فرّق بيني وبينهم ، وأخرجني إلى مهاجرى [ 1 ] ووطنى . » ثمّ قال : - « من يروم ما قبلي ، أو يترمرم [ 2 ] وأمير المؤمنين خالي ، وخالد بن عبد الله أخي ومعي اثنا عشر ألف سيف يمان ؟ » ثم نزل عن منبره . فلمّا صلَّى ودخل عليه النّاس وأخذوا مجالسهم [ 32 ] أخرج كتابا من تحت فراشه ، فقرأه على النّاس ، فيه ذكر نصر بن سيّار ، وعبد الرّحمن بن نعيم ، وسورة بن أبجر ، والبختري بن أبي درهم من بنى الحارث بن عبّاد . فدعا بهم ، وأنبهم ، فأرّم [ 3 ] القوم ، وتكلَّم سورة بن أبجر ، فذكر حاله وطاعته ومناصحته ، وأنّه ليس ينبغي له أن يقبل قول عدوّ مبطل ، وأن يجمع بينهم وبين من فوقهم بالباطل . فلم يقبل قوله ، وأمر بهم فجرّدوا ، فضرب عبد الرّحمن بن النّعيم ، وكان رجلا بطينا أرسح . فلمّا ضرب التوى وجعل سراويله يزلّ عن موضعه . فقام بعض أهل بيته ، فأخذ رداء له هرويّا ، وقام مادّا ثوبه بيديه ، وهو ينظر إلى أسد يريد أن يأذن له فيؤزره . فأومأ إليه أن افعل . فدنا منه فأزّره وقال : - « اصبر أبا زهير ، فإنّ الأمير وال مؤدّب . »

--> [ 1 ] . إلى مهاجرى : كذا في الأصل ومط وآ والطبري ( 9 : 1498 ) ، والضبط في الطبري : « مهاجرى » بضمّ الميم . في حواشي الطبري : من مهاجرى . [ 2 ] . يترمرم : كذا في الأصل وآ والطبري . ما في مط : تبرم . يترمرم : إذا حرّك فاه للكلام ولم يتكلَّم . ما أشبهه بقولهم : تزمزم ( بالاعجام ) . تزمزمت شفتاه بالشيء : تحركتا . [ 3 ] . فأرّم : كذا في الأصل وآ : أرّم : حك أضراسه بعضها ببعض من الغيظ . في مط : فادم . في الطبري : « فأزم القوم فلم يتكلم أحد ، فتكلم سورة . . . » أزم على الشيء : عضّ بالفم كلَّه عضّا شديدا .